هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب عالمية؟
world-news
هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب "عالمية" ساخنة؟
![]() |
| بطاريتا صواريخ "باستيون" المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب) |
كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة. تشكل هذه الدول الثماني "مجلس المنطقة القطبية الشمالية" الذي اتفقت على إنشائه في عام 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب، ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم "أورسا مايجر" (الدب الأكبر) فوق منطقة القطب الشمالي.
أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ"إعلان أوتاوا") على أن تُدرج في النص جملة تقول: "لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري". إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محط تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.
غرينلاند والقطب.. صراع النفوذ يعود إلى الواجهة
تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غير مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.
كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة "نيويورك تايمز" تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر "مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح". وقد ورد في تعليق لصحيفة "لوموند" الفرنسية على هذا الكلام أن "من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية في الجزيرة، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص".
التوسع الإقليمي للولايات المتحدة.. سجل حافل بالشراء والضم
ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي عبر عمليات شراء وضم متعددة:
- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.
- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.
- في 1845 ضم الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.
- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.
- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، واكتشف النفط فيها عام 1968.
- ضمّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.
- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار.
- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً.
- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً، ولكن الدنمارك رفضت البيع.
ثروات غرينلاند.. كنز في الثلوج
تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة). بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.
تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية. تحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. يُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال. إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية، خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية.
أخطار ورهانات.. سباق محموم على القطب
أورد موقع المعهد البحري الأميركي أن "القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي".
ويضيف الموقع: "يبدو أن التحول في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبرة من المعادن النادرة الحيوية".
يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: "امتلاك غرينلاند أمر حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي". لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف "المعادن الحيوية" يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها.
روسيا والناتو.. مواجهة مفتوحة في أقصى الشمال
ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. في السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن "الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية-السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان". وأعرب عن قلقه "إزاء ازدياد وتيرة عمل دول الناتو على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك".
الخوف الأوروبي.. من غرينلاند إلى السويد وكندا
وسط "المعمعة" الأميركية-الصينية-الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في "الناتو" ولا بأصدقائه الأوروبيين، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن "العائلة الغربية" التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسية العالمية.
لعل ما يجسد الخوف الأوروبي ما قالته إيـّـبا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت لهجوم كلامي من ترمب، حضّها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!
عالم جديد يترسم ملامحه بسرعة
إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقل.
المصدر الموثق: SEOTurbo Pro | سيوتربو - seoturbopro.com | جميع الحقوق محفوظة













اكتب تعليقك الآن: